منتدى غرفة النصرة الإسلامية

منتدى غرفة النصرة الإسلامية


    الدرس الثاني من دروس سلسلة التوحيد

    شاطر

    رحى الأيام
    مشرف
    مشرف

    انثى
    عدد المساهمات : 39
    تاريخ التسجيل : 24/01/2010

    الدرس الثاني من دروس سلسلة التوحيد

    مُساهمة  رحى الأيام في الخميس فبراير 25, 2010 12:48 pm


    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    حياكم الله وبياكم نلتقي اليوم وإياكم مع الدرس الثاني من دروس التوحيد ونترككم الآن مع المادة الصوتية
    http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Item&id=43&node=61&format=rm&lang=Ar

    والآن ننتقل وإياكم للمادة الكتابية

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلي وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
    أما بعد، فحياكم الله جميعًا أيها الإخوة الفضلاء، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعًا من الجنة منزلا، وأسأل الله -جلّ وعلا- الذي جمعنا في هذا اللقاء الطيب المبارك على طاعته أن يجمعنا في الآخرة مع سيد الدعاة في جنته ودار مقامته، إنه وليُّ ذلك ومولاه.
    أيها الأحبة، هذا هو لقاؤنا الثاني مع الأصول الثلاثة، وأذكر بالمتن مرة أخرى، يقول المصنف رحمه الله تعالى ( اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أَرْبَع مَسَائِلَ:

    المسألة الأُولَى: الْعِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بالأَدِلَّةِ.

    المسألة الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ بِهِ.

    المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ.

    المسألة الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ ).
    الأمر بالعلم قبل القول والعمل
    تكلمنا في اللقاء الماضي بفضل الله جلّ وعلا على المسألة الأولى، ألا وهي العلم، وقلت بأن العلم مقدمٌ على العمل، واستدل المصنف -رحمه الله تعالى- على ذلك بهذه الترجمة الفقيهة البليغة للإمام البخاري -رحمه الله- في كتاب العلم، حيث قال "باب العلم قبل القول والعمل"، وصدر هذا الباب بقول الله جلّ وعلا ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ [البقرة: 19]، أمر الله جلّ وعلا نبيه في هذه الآية الكريمة بأمرين: فبدأ بالعلم وثنى بالعمل .
    لماذا العلم قبل القول والعمل ؟
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى "قدم الله العلم على العمل؛ لأن العلم هو المصحح للنية التي يصح بها كل قولٍ وكل عمل"، إذًا قبل أن تتكلم وقبل أن تعمل يجب أن تتعلم، وتحدثت عن هذ المسألة، ولا أريد أن أكرر ما ذكرته في اللقاء الماضي بفضل الله جلّ وعلا.
    العلم النافع هو الباعث على العمل
    المسألة الثانية: العمل، العمل بالعلم، فكل علمٍ لا يفيد عملا ليس في الشرع ألبته ما يدل على استحبابه أو استحسانه، إذًا العلم النافع الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق هو العلم الباعث على العمل، قال الله جلّ وعلا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿2﴾ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2، 3]، وقال الله جلّ وعلا ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44]، الفارق الكبير بين السلف والخلف إننا نرى بونًا شاسعًا وهوة سحيقة بين القول والفعل، ترى الآن تنظيرًا باهتًا باردًا، وما أيسر التنظير، لكن أين العمل؟! والله كلما تحدثت في هذا الباب أُشهد الله أنني أشعر بخجل وأشعر بتقصير؛ لأنه من منا لم يشعر بتقصير في حق ربه تبارك وتعالى؟، نتكلم كثيرًا، لكننا نعمل قليل، ويرن في أذني الآن قول القائل:
    وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيبٌ يداوي الناس والطبيب عليل
    فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الصدق فيما نقوله في هذه المسألة الثانية، في مسألة العمل.
    إلهي لا تعذبني فإني مقرٌ بالذي قد كان مني
    فكم من ذلةٍ لي في البرايا وأنت عليّ ذو فضلٍ ومنِ
    يظن الناس بي خيرًا وإني لشر الناس إن لم تعف عني
    خطر العلم بدون عمل
    أيها الإخوة، إن أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة والحديث رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ( أول من تُسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، عالمٌ وقارئٌ للقرآن، أُتي به )، أي بالعالم، ( أُتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: ما فما عملتُ؟ قال: تعلمتُ وعلمت، قال: كذبت، بل تعلمت ليقال عالم وقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في الناس )، عالم يُلقى في النار، وقارئٌ للقرآن ( أُتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت، قال: قرأتُ فيك القرآن، قال: كذبت، بل قرأت ليُقال قارئ وقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل آتاه الله من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت، قال: ما تركت سبيلا تحب أن يُنفق فيها لك إلا وأنفقتُ فيها لك، قال: كذبت، ولكنك أنفقت ليقال هو جواد وقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجلٌ استشهد )، سقط في الميدان شهيدًا فيما ينظر الناس، ( فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملتُ، قال: قاتلت فيك حتى قتلت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال شهيد وقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار ).
    انظروا إلى خطر العلم بغير عمل، فكل علم لا يفيد عملا ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل البتة على استحسانه، فما قيمة علمٍ لا يورثنا الخشية من الله جلّ وعلا؟، ما قيمة علم لا يورثنا الطاعة؟ ما قيمة علم لا يدفعنا دفعًا إلى القرب من الله تبارك وتعالى؟ قال الله جلّ وعلا ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28] .
    القضية أيها الأحبة ليست في التحصيل فحسب، وإنما في أن نحول هذا العلم الرباني القرآني والنبوي في حياتنا إلى واقع، إلى منهج عملي، ففي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه ) أي أمعاؤه، ( فيُدار بها كما يدور الحمار في الرحى، فيجتمع إليه أهل النار، يا فلان يا فلان مالك؟ ألم تك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه ).
    ألا أيها المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
    تصف الدواء لذو السقام من الدما كيما تصح منه وأنت سقيم
    ابدأ بنفسها فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
    وهناك يُقبل ما تقول ويُقتدى بالقول منك وينفع التعليم
    أسأل الله أن يرزقنا الصدق في الأقوال والأعمال والأحوال .
    كان مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول "إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا"، أي كما يزل الماء عن الحجر الأملس، كم من مذكر بالله وهو ناسٍ له، وكم من مخوف من الله وهو جرئٌ على الله، وكم من تالٍ لكتاب الله وهو منسلخ عن آيات الله، وكم من مقرب إلى الله وهو بعيد عن الله، اللهم ارزقنا الصدق والإخلاص في الأقوال والأعمال والأحوال.
    كان أبو الدرداء رضي الله عنه، وإن كان في سند الرواية ضعف، كان يقول "إنما أخاف أن يُقال لي يوم القيامة أعلمت أم جهلت؟ فأقول علمت" .
    أحفظ الأدلة وأقول قال الله وروى البخاري وروى مسلم وروى أحمد، أحفظ الأدلة وأمضي فيها كالسهم، لكن فتش عن قلبك، فتش عن عملك، "إنما أخاف أن يُقال لي يوم القيامة أعلمت أم جهلت؟ فأقول علمت، فلا تبقى آية من كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتقول الآمرة: هل ائتمرت، وتقول الزاجرة: هل انزجرت، فأعوذ بالله من عمل لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع، ودعوة لا تسمع أو لا يُستجاب لها".
    هل تتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، الذي فُطر على التوحيد، الذي عصمه الله جلّ وعلا، هل تتصور أنه كان يدعو الله تبارك وتعالى وكان يعوذ بالله من علم لا ينفع، هل فكر كثيرٌ من طلاب العلم الجرءاء الآن على التطاول على الرموز، هل فكر كثيرٌ من هؤلاء الجرءاء الذين يتطاولون على العلماء ورموز هذه الأمة، هل فكر أحدهم في استعاذة رسول الله صلى الله عليه وسلم من علم لا ينفع، هل هناك علم لا ينفع؟ نعم، هناك علم لا ينفع، العلم الذي لا يورث صاحبه الأدب لا ينفعه، العلم الذي لا يورث صاحبه الخشيه لا ينفع، العلم الذي لا يورث صاحبه التواضع لله ولرسول الله ثم لأهل العلم لا ينفعه، ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28] .
    سئل الإمام أحمد مَن العالم؟ قال ليس العلم بكثرة الرواية والدراية، ولكن العلم خشية الله، قال تعالى ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28].
    روى مسلم وغيره من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع )، الرسول صلى الله عليه وسلم، هل استعذت أنت بالله من علم لا ينفع؟ يعني لو سألت نفسي أنا ولو سألت الطلاب الآن بين يدي، ما هي آخر مرة استعذت فيها بالله تعالى من علم لا ينفع؟ ما هي آخر مرة؟ والله لو أذنت لنا ولإخواني الآن بين يدي بالجواب لانقلب إلي بصري خاسئًا وهو حسير، ما آخر مرة تضرعت فيها إلى الله وتململت بين يديه جلّ وعلا كتململ العصور المبلل بماء المطر واستعذت به تبارك وتعالى من علم لا ينفع، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعوة لا يُستجاب لها ).
    وكان علي-الله ! ما أروع كلمات هذا الأثر- وإن كان في سنده ضعف أيضًا من باب الأمانة العلمية، والأثر رواه ابن ماجة والدارمي وكذا ذكره ابن عبد البر رحمه الله تعالى وغيره- كان علي - رضي الله عنه - يقول " يا حملة العلم اعملوا به، فإن العالم من علم ثم عمل ووافق علمه عمله، وسيأتي أقوامٌ يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يقعدون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى إن أحدهم ليغضب على جليسه إن تركه جلس إلى غيره، أولئك لا ترفع أعمالهم تلك إلى الله عزّ وجلّ "، هل يجسد علي رضي الله عنه واقع كثير من طلاب العلم الآن؟، " .
    يا حملة العلم اعملوا به، فإن العالم من علم ثم عمل ووافق علمه عمله، وسيأتي أقوامٌ يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يقعدون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا "، يحضر عندي ألف، والآخر يقول ويحضر عندي ألفان، وفي حلقتي طلاب العلم وفي حلقتك عامة المسلمين، مع أنهم محل دعوة الدعاة إلى الله جلّ وعلا، فلانُ عالم، وفلان؟ هذا واعظ، وفلان جاهل بالواقع، وفلان مازال في دورة المياه يعلم الناس أحكام قضاء الحاجة، وفلان عالم حيض وعالم نفاس، "
    أقوامٌ يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يقعدون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى إن أحدهم ليغضب على جليسه إن جلس إلى غيره "، حتى لو ذهب إلى رجل من علماء أهل السنة، " حتى إن أحدهم ليغضب على جليسه إن جلس إلى غيره، أولئك لا ترفع أعمالهم تلك إلى الله عزّ وجلّ ".
    فالقضية إذًا أيها الأحبة قضية عمل، أنا أقول لطلابنا قد يكون من اليسير جدًا أن نقدم منهجًا نظريًّا في التربية والأخلاق، بل إن المنهج موجود، القرآن موجودٌ بين أيدينا، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم موجودة بين أيدينا، فمن اليسير جدًا أن نقدم منهجًا نظريًّا في التربية والأخلاق، لكن هذا المنهج سيظل حبرًا على الورق ما لم يتحول هذا المنهج في حياتنا إلى واقعٍ عمليٍّ ومنهج حياة، وهذا هو السر الذي من خلاله استطاع نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقيم للإسلام دولة من فتات متناثر وسط صحراء تموج بالكفر والجهل موجًا، فإذا بدولة الإسلام بناءٌ شامخٌ لا يطاوله بناء، وذلك في فترة لا تُساوي في حساب الزمن شيئًا على الإطلاق، وذلك يوم أن نجح نبينا صلى الله عليه وسلم في طبع عشرات الآلاف من النسخ من المنهج القرآني والنبوي، لكنه لم يطبعها بالحبر على صحائف الأوراق في بطون الكتب والمجلدات أو عبر أشرطة الكاسيت أو السديهات، وإنما طبعها صلى الله عليه وسلم على صحائف قلوب الصحابة بمداد من التقى والهدى والنور، فانطلق الصحب الكرام وحولوا هذا المنهج الرباني والقرآني والنبوي إلى منهج حياة، إلى واقع يتألق سموًّا وعظمة وصدقًا وإخلاصًا وعملا وبناءً.
    فالفارق الكبير بيننا وبينهم أننا ربما نجد الآن عند كل طالب علم من الكتب والمجلدات والله ما لم تكن هذه عند السلف، والله ما كانت هذه الكتب والمجلدات بسمتها ورسمها وعددها وكمها عند السلف، ولكنهم حولوا هذا المنهج إلى عمل ، فما أحوجنا أن نحول هذا العلم إلى عمل، وإلا فالعلم عاريةٌ لا يُنتفع به إلا إذا حوله صاحبه إلى منهجٍ عملي، ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾ [يوسف: 68]، قال قتادة "وإنه لذو علمٍ لما علمناه"، وعلا ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2، 3]، أكتفي بهذا القدر في هذه المسألة الثانية، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الصدق في القول والعمل والحال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
    قال المصنف رحمه الله تعالى ( المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ )، الدعوة إلى ماذا؟ إلى العلم أم إلى العمل؟
    هل يعود الضمير في قول المصنف ( الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ ) على العمل أم على العلم، والراجح الدعوة إلى العمل بالعلم، فقد أصلنا الآن أن علمًا بدون عمل لا قيمة له، الدعوة إلى العمل بالعلم، الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، لاسيما وقد عَرَّف الشيخ العلم بقول ( الْعِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بالأَدِلَّةِ )، وسأرجئ الحديث عن معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالحديث عن الأصول الثلاثة إن شاء الله تعالى، فهذا هو لب كتابنا بإذن الله جلّ وعلا.
    فضل الدعوة إلى الله
    إذًا، الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، الدعوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، الدعوة إلى الإسلام، الدعوة إلى العمل بهذا الدين، الدعوة إلى العمل بالأمر، الدعوة إلى العمل باجتناب النهي، الدعوة إلى العمل بالوقوف عند حدود الله تبارك وتعالى، والدعوة إلى الله أيها الأفاضل من أعظم القربات التي افترضها الله على هذه الأمة، وقد دلت الأدلة من القرآن والسنة على وجوب الدعوة إلى الله على منهج رسول الله r فقال الله سبحانه وتعالى ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]، وقال الله جلّ وعلا ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108] .
    قال ابن القيم رحمه الله: "ولا يكون الرجل من أتباع النبي r حقًا حتى يدعو إلى ما دعى إليه النبي r على بصيرة"، الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، شرف هذه الأمة، ونسب هذه الأمة.

    رحى الأيام
    مشرف
    مشرف

    انثى
    عدد المساهمات : 39
    تاريخ التسجيل : 24/01/2010

    رد: الدرس الثاني من دروس سلسلة التوحيد

    مُساهمة  رحى الأيام في الخميس فبراير 25, 2010 12:51 pm

    ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110]، هذه الخيرية ليست ذاتية، وليست عرقية، وليست عصبية، ولكنها خيرية مستمدة من حمل الأمة لهذه الرسالة المباركة لأهل الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]، فأمة النبي r أمة دعوة، أمة بلاء، أمة رسالة، ما شُرفت الأمة إلا لحملها هذه الرسالة، تدبروا هذا الأمر لنبيه ﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ﴾ [الجن: 22، 23]، أمرٌ مهيب، أمرٌ جليل، ﴿ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ ﴾، إلا أن أبلغ دين الله، إلا أن أبلغ رسالة الله تبارك وتعالى، فالأمة ما شرفت إلا بالدعوة، وما كرمت إلا لحمل هذا الدين، وما عزت الأمة إلا يوم رفعت راية الدعوة إلى الله على منهج النبي r ، وما زلَّت الأمة وهانت إلا يوم أن تخلت عن هذه الأمانة العظيمة والشرف الكبير والتبعة الثقيلة.
    ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾ [المدثر: 1، 2]، فقام ورب الكعبة ولم يذق طعم الراحة حتى لقي الله جلّ وعلا، وحتى أنزل الله عليه قوله ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3] .
    بل لقد قال شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى "الدعوة إلى الله الآن فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كل بحسب قدرته واستطاعته، لأننا نعيش زمانًا انتشر فيه الباطل وأهله، -والله- ما انتشر الباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله"، فواجبٌ على كل مسلم ومسلمة أن يبلغ دين الله على قدر استطاعته بقدر ما عَلَّمَه الله تبارك وتعالى من العلم، ألم تحفظ آية من كتاب الله، ألم تحفظ حديثًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
    روى البخاري وغيره من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتوبأ مقعده من النار ) .
    وقال صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي وغيره بسند صحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه الله ( نضر الله امرءً )، رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لك بنضارة الوجه يا من تبلغ عن الله وعن رسوله، ( نضر الله امرءً سمع منا حديثًا فبلغه كما سمعه، فرُب مبلغ أوعى من سامع ) .
    وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ( من دعى إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا )، انظروا إلى الفضل ( ومن دعى إلا ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا ).
    وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا وكان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل )، فأسأل الله أن يجعلنا جميعًا من حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    لن تكون أبدًا من حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من أتباعه حقًا حتى ترفع نفس الراية التي رفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحتى تتحرك بين الناس بذات المنهج الذي تحرك به بين الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تدعو إلى الله بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصيرة، بحكمة بالغة، بكلمة رقيقة رقراقة، بموعظة حسنة، فالمنهج توقيفي، منهج الدعوة إلى الله توقيفي، لم يدعه الله لنبي من الأنبياء فضلا عن داعية من الدعاة، أصول المنهج الدعوي لا تختلف باختلاف الزمان والمكان، قد تختلف الوسلية، فما نحن فيه الآن وسيلة تتفق مع عصرنا وزماننا، والشريط وسيلة، والمحاضرة عبر الإذاعة وسيلة، وإعلانٌ لمحاضرة في التلفاز أو في جريدة وسيلة، تختلف الوسائل باختلاف الزمان والمكان، أما المنهج فتوقيفي، لا يختلف ألبتة باختلاف الزمان والمكان، أصوله ﴿ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]، قال تعالى ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]، قال تعالى ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ [طـه: 43، 44].
    هذه أصول المنهج الدعوي، وحياة النبي r في الدعوة إلى الله تطبيقٌ عمليٌّ لهذه الأصول، ولا يتسع الوقت لذكر بعض النماذج الدعوية التطبيقية العملية من سيد الدعاة سيدنا رسول الله r ، لكنني أجدني مضطرًا اضطرارًا لأن أذكر بموقف واحد تحفظونه جميعًا، لكنني أخاطب طلاب العلم وأخاطب المسلمين في كل مكان.
    كلنا يحفظ حديث الأعرابي الذي وقف في مسجد النبي r وبال إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل تتصور هذا المشهد؟ أعرابيٌّ يدع هذه الصحراء المترامية ولا يجد مكانًا يقضي فيه حاجته إلا في مسجد رسول الله r، بل وفي حضرته الشريفة صلى الله عليه وسلم، ويقول الصحابة مه مه، ماذا تصنع أيها الرجل؟!، والرسول صلى الله عليه وسلم سيد الدعاة يقول ( لا تزرموه )، أنا لا أقول هذا من باب الإعجاب السالب أيها الأحبة، أو لمجرد الثقافة الذهنية الباردة، بل أنا أبين منهجًا عمليًّا للدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وواجبٌ لكل سالكٍ على هذا الطريق والدرب المنير أن يكون على هذا المنهج العظيم.
    ( لا تزرموه ) أي لا تقطعوا عليه بولته، ويقضي الرجل تبوله باطمئنانٍ كامل، حتى يقضي الرجل حاجته فيُنادي عليه رسول الله r نهر الرحمة وينبوع الحنان وأستاذ الخلق والأدب ويقول إن المساجد لا تصلح لشيءٍ من هذا، إنما جُعلت للصلاة ولذكر الله وقراءة القرآن، ويأمر النبي r صحابيًّا فيأتي الصحابي بدلو من الماء فيشنه على أثر البول ويطهر المكان، وانتهت القضية، وانتهت المشكلة، ما أمر النبي الصحابة أن يلقوا هذا الرجل من يديه وقدميه خارج المسجد، ما عنفه، ما وبخه، ما آذاه بكلمة ولا بلفظة، لا والله، وإنما إنفعل هذا الأعرابي بهذا الخلق الكريم فدخل الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا الله بهذا الدعوة التي سمعها النبي صلى الله عليه وسلم، سمع الأعرابي يقول "اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا"، لم يجامله النبي صلى الله عليه وسلم على حساب المنهج أيضًا، وإنما لما قضى النبي r صلاته قال ( لقد حجرت واسعًا )، يعني لم تضيق ما وسع الله تبارك وتعالى؟ والله جلّ وعلا يقول ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156].
    الشاهد: أن نتعلم هذا الدرس من رسول الله r .
    وما أجمل قول قتادة في تعليقه على قول الله لموسى وهارون على نبينا وعليهما الصلاة والسلام ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴾ [طـه: 43]، كلنا يعرف فرعون، ففرعون هو الذي قال أنا ربكم الأعلى، وفرعون هو الذي قال ما علمت لكم من إله غيري....إلخ، ومع ذلك يأمر الله موسى وهارون نبيين كرمين أن يقولا لفرعون قولا لينًا، فقال قتادة "يا رب ما أحلمك، تأمر موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينًا، فإن كان هذا حلمك بفرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى، فكيف يكون حلمك بعبدٍ قال سبحان ربي الأعلى" .
    وأنا أقول لقد دخلت بغيٌّ من بغايا بني إسرائيل الجنة في كلب، يا الله، دخلت الجنة في كلب!!، مرت على كلب يلهث الثرى من العطش فعادت إلى بئر ماء فملأت موقها ماءً وقدمت للكلب فشرب، فغفر الله لها بذلك.
    أقول يا إخوة إذا كانت الرحمة بالكلاب تغفر الخطايا للبغايا، فكيف تصنع الرحمة بمن وحد رب البرايا .
    أركز على هذا لأنني ألمح قسوة وجفوة في كثير من طلابنا، إذا أعفى الطالب لحيته ووضع الغترة على رأسه والتزم بدرسٍ من دروس العلم يحول البيت إلى نار متأججة، لا يستطيع والده أن يكلمه، ولا تستطيع أمه أن تتحدث معه، فضلا عن أخواته وفضلا عن إخوانه، لماذا؟!! يقول التزمت، هل هذه حياة الالتزام؟!!، هل بهذا الخلق والسلوك ندعو غيرنا إلى الله تبارك وتعالى ونأخذ بقلوب الخلق إلى الله تبارك وتعالى؟!!، مُحالٌ يا اخوة .
    احفظوا مني هذه الكلمات، أقول إن الحق معنا، أطلتُ النفس في هذه الجزئية لأنني أعالج واقعًا مرًا أليمًا نحياه الآن .
    لماذا استطاع أهل الباطل أن يجذبوا الناس إلى باطلهم؟ لماذا لم يستطع أهل الحق إلى الآن أن يجذبوا الناس إلى الحق الذي من أجله خلق الله السماوات والأرض وأنزل الكتب وأرسل جميع الرسل وخلق من أجله الجنة والنار؟
    لخلل في منهجنا، لخلل في دعوتنا، لخلل في أسلوبنا في البلاغ عن الله تبارك وتعالى، فالدعوة فن، لا يجوز للداعية أن يتجاوز أصوله التي حددها القرآن كما ذكرت.
    أقول إن الحق معنا، احفظوا مني هذا، إن الحق معنا، لكننا لا نحسن أن نشهد لهذا الحق شهادة خلقية عملية على أرض الواقع، ولا نحسن أن نبلغ هذا الحق لأهل الأرض بحق، هذه هي المشكلة، وإن الباطل مع غيرنا، لكنه يحسن أن يلبس الباطل ثوب الحق، ويحسن أن يصل بالباطل إلى حيث ينبغي أن يصل الحق، وحينئذٍ ينزوي حقنا ويضعف كأنه مغلوب، كما هو الواقع، وينتفخ الباطل وينتفش كأنه غالب، كما هو الواقع .
    وهنا نتألم لحقنا الذي ضعفُ وانزوى، وللباطل الذي انتفش وانتفخ، فنعبر عن ألمنا هذا بصورة من صورتين لا ثالث لهم:
    إما أن نعبر عن ألمنا بصورة مكبوتة سلبية فنزداد هزيمة نفسية على هزيمتنا وانعزالا عن المجتمع والعالم .
    وإما أن نعبر عن ألمنا هذا بصورة صاخبة متشنجة منفعلة، وأحيانًا دموية مخزية، فيزداد أهل الأرض في الأرض بغضًا للحق الذي معنا وإصرارًا على الباطل الذي معهم، فنخسر الحق مرة بعد مرة، مع أننا على الحق ومع غيرنا على الباطل.
    القضية أيها الأفاضل كيف ندعو الناس ؟ كيف نبلغ الحق لأهل الأرض بحق؟ أقول أيها الأحبة إننا لا نتعامل مع ملائكة بررة، ولا مع شياطين مردة، ولا مع أحجار صلبة، بل نتعامل مع نفوس بشرية فيها الإقبال والإحجام، فيها الخير والشر، فيها الحلال والحرام، فيها الفجور والتقوى، فيها الطاعة والمعصية، أولم يقل خالق النفس البشرية جلّ وعلا ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ [الشمس: 7، 8]، فلنتعامل مع النفس البشرية من هذا المنطلق، لنسبر أغوراها، لنتغلغل إلى أعماقها، ولن يكون ذلك أبدًا أيها الأحبة إلا بالحكمة البالغة والموعظة الحسنة والكلمة الرقيقة الرقراقة، هذا فضل الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.
    والنبي r يقول لعلي رضي الله عنه كما في الصحيحين من حديث سهل ابن سعد وفيه أنه قال ( لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من حمر النعم )، الله الله الله، انظروا إلى هذا الفضل العظيم، ( لأن يهدي الله بك رجلا واحدًا خير لك من حمر النعم ).
    ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ [إبراهيم: 25]، هذه هي الدعوة الكريمة، هذه هي الكلمة الطيبة التي ضرب الله عزّ وجلّ مثلا لها في القرآن بالشجرة الكريمة الطيبة، تلك الشجرة التي تتغلغل في أعماق التربة وفي قلب الصخور، لا تؤثر فيها الرياح العاتية، ولا تحطمها معاول الهدم والبطش والطغيان، إنها الدعوة إلى الله.
    بين الجوانح في الأعضاء سكناها فكيف تُنسى ومن في الناس ينساه
    الأذن سامعة والعين سامعة والروح خاشعة والقلب يهواه
    ولم لا وهي كلمة الله جلّ وعلا قال الله، وكلمة النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم .
    أعذار بعض طلبة العلم القاعدين عن الدعوة
    ألا تعجب معي بعد هذا الفضل الوجيز الذي تحدثت عنه في فضل الدعوة إلى الله تبارك وتعالى أن كثيرًا من إخواننا وطلابنا يعزفون عن الدعوة إلى الله بدعوى أنهم مازالوا يطلبون العلم .
    ومن قال لك بأن طلب العلم ينتهي في مرحلة من المراحل، إن طلبك للعلم لا ينتهي حتى تلقى الله جلّ وعلا .
    قال الإمام أحمد: إمام أهل السنة حينما رآه أحد الأفاضل ما زال في مجلس العلم يمسك المحبرة، فقال له: يا إمام بلغت ما بلغت وما زلت تمسك المحبرة، فقال "نعم، مع المحبرة إلى المقبرة"، ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طـه: 114]، يأمر الله نبيه بهذا ، سيظل الطالب يطلب العلم إلى أن يلقى الله .
    الدعوة الواجبة على الأعيان والدعوة الواجبة على الكفاية:
    فأرجوا من طلابنا أن يفرقوا بين طلب العلم وبين الدعوة إلى الله جلّ وعلا، صحيح إن كانت الدعوة المتخصصة لها أهلها من المتخصصين من المتحققين بالعلم الشرعي، فإن الدعوة العامة واجبة على كل مسلم ومسلمة كما قال شيخنا رحمه الله، كل على حسب قدرته واستطاعته .
    وسائل الدعوة
    أخي إن لم تستطع أنت أن تبلغ غيرك بلسانك بكلمة رقيقة بالأدلة فبلسان غيرك من أهل العلم بشريط أو بكتيب أو بكتاب أو بمطوية، يتخصيص جزءٍ من مالك للدعوة إلى الله تبارك وتعالى، بتكثير سواد المسلمين في المساجد في المحاضرات العامة، بزيارة لله تبارك وتعالى لأحد إخوانك في الله لتبلغه عن الله تبارك وتعالى ولو بشريط.
    هل يُشترط في الداعي أن يعتلي المنبر ؟
    وأنا لا أقول نحن لا نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة على المنابر في المساجد، وإنما نريد أن تتحول الأمة كلها إلى دعاة لدين الله كلٌ في موضع إنتاجه وموطن عطائه، لو شهد كل مسلمٌ للإسلام شهادةٌ عملية في موقعه فهي أعظمُ خدمةٍ نقدمها لدين الله تبارك وتعالى، شهادةٌ ورب الكعبة آثمٌ قلبه من يكتمها الآن، لأننا نعيش عصرًا أيها الأحبة صار الغرب يحكم فيه على الإسلام من خلال واقعنا كمسلمين، وواقع المسلمين فاضحٌ مخزيٌّ، إلا من رحم ربنا تبارك وتعالى من أفراد، صار العالم كله يحكم على ديننا من خلال واقعنا، فأعظم خدمة نقدمها للدين أن ندعو للدين بأخلاقنا، بسلوكنا، بأعمالنا، بأقوالنا، إيتيني بواحدٍ لا يستطيع في أي موقف من المواقف أن يبلغ عن الله بكلمة مهذبة رقيقة، الكل يستطيع ذلك.
    مثال:
    والله لازلت أذكر هذه الأخت الفاضلة من الرياض، كنت في زيارة لإخواننا في ألمانيا، وأخبرني إخواني هنالك عن رجلٍ ألماني فاضل من الدعاة إلى الله تبارك وتعالى، وقالوا إنه كان يعمل ملاكمًا لفترة من الفترات قبل عشرين عامًا، ودُعي ليكرم في مدينة الرياض، فتقدمت أختٌ فاضلة بحجابها الكامل وقدمت له هدية بين الهدايا، وما كان هذا الرجل قد أسلم بعد، قدمت له ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الألمانية، فقط، يقول هذا الرجل، وأخذت الهدية ووضعتها بين الهدايا ومضى على هذه الهدية عشرون عامًا، يا الله، جلست يومًا لأرتب مكتبتي فوقع في يدي هذا الكتاب، فتذكرت وعدت إلى الوراء عشرين سنة، قال فجلست على كرسي مكتبي، وفتحت الكتاب من آخره فقرأت تفسير سورة الإخلاص، قال فعدت إلى الكتاب من أوله فقرأت تفسير سورة الفاتحة، قال فهزت المعاني قلبي، فوقع حب الإسلام في قلبي، فخرجت من بيتي على المركز الإسلامي، قلتُ دلوني ماذا أصنع إن أردت أن أدخل دين الله، قالوا اغتسل فاغتسلت، ونطق الشهادتين ودخل دين الله تبارك وتعالى، وفي اللحظة التي خلع فيها رداء الشرك على عتبة التوحيد والإيمان تحرك للدين وتحرك للدعوة، ماذا يصنع؟ لا يحفظ شيئًا من القرآن، لا يحفظ شيئًا من السنة، لكنه يستطيع أن يقدم شيئًا.

    رحى الأيام
    مشرف
    مشرف

    انثى
    عدد المساهمات : 39
    تاريخ التسجيل : 24/01/2010

    رد: الدرس الثاني من دروس سلسلة التوحيد

    مُساهمة  رحى الأيام في الخميس فبراير 25, 2010 12:54 pm

    فلم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام
    ماذا يصنع هذا الرجل الصادق، أخذ مجموعة من الكتيبات التي تتحدث عن الإسلام باللغة الألمانية، وخرج في ميدان ووضعها على منضدة كهذه، وكان الشباب والفتيات يعرفونه وينزلون له ليوقع لهم على الأوتوجرافات فيقدم إلى أحدهم كتيبًا من هذه الكتيبات، يٌقسم الإخوة بالله دخل الإسلام على يد هذا الرجل ما يزيد على مائتي رجل وامرأة في عامٍ واحد، هذا العدد كله في ميزان من؟ الأخت الفاضلة التي قدمت له هذه الهدية التي ما توقعت أن تكون سبب إسلامه بعد عشرين سنة، فما إذًا إلا أن تدعو إلى الله تبارك وتعالى، وأن تغرس في حقل الإسلام غرسًا صحيحًا، تغرس بالقرآن والسنة بفهم سلف الأمة رضي الله عنهم وأرضاهم، ودع النتائج بعد ذلك إلى الله تبارك وتعالى، فالقلوب ليست بيد أحد.
    وظيفة الدعاة هداية الدلالة وليست هداية التوفيق
    وفرقٌ يا إخوة بين هداية الدلالة وهداية التوفيق، فهداية الدلالة هذه وظيفتنا، أن ندل الخلق على الحق، نقول قال الله جلّ وعلا وقال الرسول r بأدب وتواضع وحكمة ورحمة، أما هداية التوفيق فبيد الله تبارك وتعالى، لا يملكها ملكٌ مقرب ولا نبي مرسل ولو كان المصطفى، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 272]، هل نرى تعارضًا أيها الشيخ بين هذه الآية التي ذكرت وبين قول الله تعالى لنبيه ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]؟ لا، لا تعارض، الهداية المثبتة للنبي صلى الله عليه وسلم هي هداية الدِلالة أو الدَلالة، واللغتان صحيحتان بالفتح والكسر، أما الهداية المنفية عن سيدانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي هداية التوفيق، فهذه بيد الله تبارك وتعالى .
    ولو كانت بيد المصطفى صلى الله عليه وسلم لهدى النبي عمه أبا طالب، كما في صحيح البخاري وغيره من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بي أبي أمية، فجلس النبي عند رأس عمه وقال ( يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أُحاج لك بها عند الله يوم القيامة )، فقال له أبو جهل أترغب عن ملة عبد المطلب، فقال أبو طالب: بل هو على ملة عبد المطلب، ومات على هذه الكلمة، فخرج النبي من عنده وقال ( لأستغفرن لك ما لم أُنه عنك )، فنزل قول الله جلّ وعلا ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [التوبة: 113].
    شبهة أخرى للتخلي عن الدعوة إلى الله
    ألا تعجب معي بعد كل هذا الفضل أن يتخلى كثيرٌ من أهل الفضل عن الدعوة إلى الله جلّ وعلا، بل وقد يقنن أحدهم هذا العزوف ويحتج ويدلل له بقوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ [المائدة: 105]، فهمٌ خطأ، وفهمٌ مقلوبٌ للآية، وقد خشي الصديق رضي الله عنه يومًا عن هذا الفهم الخاطئ للآية فارتقى المنبر كما في سنن الترمذي وسنن ابن ماجة ومسند أحمد بسندٍ صحيح، ارتقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال "أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الأية وتضعونها في غير موضعها، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يعمهم بعقابٍ منه )"، وأنتم تعلمون أن الفتنة والمصيبة إن وقعت تصيب الصالح والطالح ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25].
    ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح البخاري وغيره عن النعمان بن بشير رضي الله عنه ( مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا حتى نؤذي من فوقنا، فلو تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا جميعًا )، ولم يكرر النبي r لفظ النجاة، ( لنجوا جميعًا ) .
    وفي الصحيحين عن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي r دخل عليها يومًا فزعًا، وفي لفظٍ استيقظ النبي r يومًا من نومه عندها فزعًا، وهو يقول ( لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شر قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه )، وحلق النبي r بإصبعيه السبابة والإبهام، فقالت أم المؤمنين زينب رضي الله عنها: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال ( نعم، إذا كثر الخبث ).
    فالدعوة إلى الله أيها الأفاضل فرض عين على كل مسلم ومسلمة، كلٌ بحسب قدرته واستطاعته، لأننا نعيش زمانًا انتشر فيه الكفر، واستشرى فيه الباطل، ووما انتشر الكفر وأهله والباطل وأهله إلا يوم أن تخلى عن الحق أهله.
    مثال آخر
    ألمح الآن صديق الأمة رضي الله عنه أبا بكر بعد ما نطق الشهادتين، وفي أيام قليلة ينطلق إلى الدعوة إلى الله تبارك وتعالى ليرجع بعد يوم واحد بخمسة من العشرة المبشرين بالجنة، ياالله، يرجع بعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وبالزبير بن العوام، وبسعد أبي وقاص، وبطلحة بن عبيد الله، بعد يوم واحد.
    أختم بهذه الكلمات، شتان شتان بين زهرةٍ حقيقية من خلق الله لا حبس عن الناس أريجها وعطرها، وبين زهرة صناعية لا تحمل من عالم الزهور إلا اسمها.
    أسأل الله عزّ وجلّ أن يشرفنا وإياكم بالدعوة إليه، وألا يحرمنا وإياكم من كرامة البلاغ عنه، وألا يحرمنا وإياكم من دلالة الخلق عليه بحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    أهمية الإعجاز العلمي في الدعوة إلى الله
    ذكرتم أن من وسائل الدعوة المطويات والكتب والأشرطة، هل من وسائل الدعوة أننا مثلا نضع في المساجد مطويات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم لعلها تلين القلوب أكثر؟ يعني ما جاء في البحر أو ما جاء في السماوات، الإعجاز العلمي في القرآن الذي أثبته العلم الحديث لعله أقوى في إلانة قلوب الناس
    هذا بابٌ عظيم جدًا من الأبواب التي نستطيع أن نتغلغل بها الآن إلى العقول والقلوب، وأنا قدمت العقول على القلوب في هذا الباب لأن كثيرًا من الناس لا يذعن للحق وبكل أسف إلا إذا وجد هذا الحق مدعمٌ بهذه الأدلة العلمية .
    لكن ليس معنى ذلك أيها الأحبة أن نلوي أعناق النصوص القرآنية والنبوية لنظرية علمية فما أثبت العلم صحته في القرآن صدقناه، وما كذب العلم صحته أنكرناه، وإنما هذا بابٌ عظيم من الأبواب لاسيما إن كانت المعلومة فيه مضبوطة صحيحة أن نقدمه بصورة جميلة ملفتة للأنظار في المساجد لنبين أن عطاء القرآن مازال متجددًا في عصر العلم .
    مثال
    يعني لو قدمنا الآن ما أثبته العلم الحديث عن آيات الله تبارك وتعالى في هذه الأجرام السماوية وقدمنا مثلا على سبيل المثال كلمات لأكاديمية البحث العلمي في نيويورك مثلا إذ تقول لقد توصلنا بعد بحث علمي دقيق أن الأجرام السماوية قد وُضعت بنظام دقيق وليس مصادفة عشواء، ولو أن الشمس تركت مدارها إلى أعلى قليل لتجمد كل حي على ظهر الأرض، ولو تركت مدارها إلى أسفل قليلا لاحترق كل حيٍّ على وجه الأرض، ولو ترك القمر مداره إلى أعلى أو إلى أسفل لاختلف حركة المد والجذر وغرقت الأرض بمن فيها أو هلك أهل الأرض عطشًا.
    هذه المسائل الجميلة العلمية لاشك أنها تدعم وتجدد الإيمان في قلوب المؤمنين، وتزيل الشك من قلوب المتشككين، وتأتي بقلوب المنحرفين عن رب العالمين إلى الله تبارك وتعالى وإلى القرآن .
    مثال آخر
    وأود أن لو ذكرت على وجه السرعة بموقف مثلا من مواقف البحث العلمي التي أتت بقلب رجل عالم مشهور كموريس بوكاي مثلا في العصر الحديث، عام 1981 طلبت فرنسا بصورة رسمية من مصر أن ترسل مصر إليها بمومياء فرعون، واستقبل الرئيس الفرنسي وقتها فرنسوان متران وجميع وزرائه وجميع المسئولين جثة فرعون في المطار، ونقل في موكب مهيب إلى متحف الآثار الفرنسية لإجراء بعض الدراسات على هذه المومياء أو على هذه الجثمان، وكان رئيس البحث العلمي لهذا الفريق موريس بوكاي.
    وانشغل كل فريق في تخصصه، لكن موريس بوكاي انشغل بقضية أخرى بالنسبة إليه كبيرة ألا وهي كيف هلك هذا الفرعون، كيف مات، وبعد مدة طويلة من البحث العلمي الدقيق بالحاسوبات الآلية الدقيقة والأجهزة العلمية الحديثة أراد أن يعقد مؤتمرًا صحفيًّا عالميًّا ليعلن فيه للدنيا كلها أمرًا هائلا خطيرًا، فقال له أحد أقرانه في البحث العلمي وفي العمل، وما المعلومة؟ قال أود أن أبين للدنيا كلها أن هذا الفرعون مات غريقًا، فهمس في أذنه وقال لا تتعجل فالمسلمون يزعمون أن القرآن الذي بين أيديهم يتحدث أن فرعون قد مات غريقًا من أربعة عشر قرنًا، قال ماذا؟ هذا محال، لم يكتشف العرب مثل هذه الآلات التي بحثنا بها وتوصلنا إلى هذه المعلومة، قال لا، لا تتعجل، فقال أحضروا لي التوراة فقرأ فلم يجد أثرًا لهذا، فأحضِروا الإنجيل، فأحضَروا الإنجيل فقرأ فلم يجد أثرًا لهذا، أحضِروا القرآن، فأحضَروا القرآن، أو جاء عالمٌ فقرأ عليه آية واحدة فذة من كتاب الله تبارك وتعالى، ألا وهي قول الله جلّ وعلا ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً ﴾ [يونس: 92]، فنطق وقال أشهد أن هذا القرآن من عند الله، واستمر عشر سنوات يريد أن يستخرج تناقضًا علميًّا واحدًا بين القرآن وبين ما أثبته العلم الحديث فلم يجد، فبعد عشر سنوات قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًأ رسول الله.
    فأنا أحيي الأخ الكريم، وأذكر إخواني بأن هذا بابٌ من أعظم أبواب الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، لاسيما ونحن نعيش عصر العلم، وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم السداد والإخلاص والتوفيق.
    خطر التعالم
    قد انتشر في الآونة الأخيرة أُناس ادعوا العلم يا شيخ، فنريد منكم حفظكم الله توضيح مظاهر هذا الخطر الجسيم الذي يهدد الأمة الإسلامية بأسرها مع التنويه على كيفية تجنب أمثال هؤلاء من مدعي العلم، وجزاكم الله خيرًا
    جزاك الله خيرًا، هذا سؤالٌ في غاية الأهمية، والتعالم لا شك مرض العصر، التعالم مرض العصر وداءٌ خطير، وعتبة الدخول الجائرة الفاجرة ألا وهي القول على الله بغير علم، نرى كثيراً من المتعالمين ممن ادعوا العلم قبل أن يتعلموا، هذا هو التعالم، وبالغوا قبل أن يبلغوا، وتذببوا قبل أن يتحصرموا، فنرى من أخطر مظاهر التعالم الآن، وأنا أحذر إخواني وطلابي من هذا المرض العضال، بل وأحذر نفسي ورب الكعبة، من أخطر مظاهر التعالم أن ترى الآن جرأة رهيبة على الفتوى .
    لو تتبعت الفضائيات انقلب إليك بصرك خاسئًا وهو حسير، ترى جرأة على الفتوى في المسائل التي لو عرضت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع له أهل بدر، تسمع على فضائية من الفضائيات من يقول السماوات ليست سبعًا، وتسمع من يقول ليس هناك ما يُسمى بالهجرة، وتسمع من يقول ويقول ويقول حتى قال رجل في مسألة حينما سئل هكذا باللغة الدارجة قال "أصل النبي ماكنشي واخد باله"، خلل، فتلمح الآن جرأة على الفتوى في المسائل العويصة التي لو عُرضت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.
    تعالم أن يدعي الإنسان العلم قبل أن يتعلم، لا يعرف مرتبة الدليل، ولا يعرف مناط الدليل، ولا يعرف أن يفرق بين المجمل والمبين، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، وتراه يتجرأ على الخوض في كتاب الله تعالى، أو في مسائل الأصول الكبار، قد يقع في التكفير، وقد يقع في التفسيق، وقد يقع في التبديع، وهو لا يحسن أن يفرق بين الدليل ومناطه، بين الدليل ومراتبه، فأنا أقول الدليل ليس منتهى العلم يا أخي، بل لابد من فهم العلم، ولذلك نرى البخاري رحمه الله تعالى في كتاب العلم يترجم بابًا فقيهًا بعنوان "باب الفهم في العلم"، ومن جميل ما قاله ابن القيم "إن سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام قديمًا وحديثًا".
    فالجرأة على الفتوى من أسوأ مظاهر التعالم، وهي منتشرة جدًا الآن بين كثيرٍ من المنتسبين إلى العلم الشرعي .
    يا أخي عبد الله بن عمر نجمٌ في سماء العلم، يأتيه سائلٌ فيقول له: يا ابن عمر أترث العمة؟ فيقول ابن عمر اذهب إلى العلماء فاسألهم، فيقول السائل: أنت يا ابن عمر تقول اذهب إلى العلماء فاسألهم، فيقول: نعم والله ما أحسن جواب مسألتك، فانصرف السائل، فقبل عبد الله بن عمر يد نفسه، ثم قال لنفسه: نعم ما قال أبو عبد الرحمن سئل عن ما لا يدري فقال لا أدري.
    وإذا ذُكر العلماء فمالك بن أنس إمام دار الهجرة نجمٌ ثاقب في سماء العلم، يقول تلميذه الشافعي: صحبتُ مالكًا فسئل في ثمانٍ وأربعين مسألة أنا لا أدري.
    وإذا ذُكر العلماء فالشافعي نجمٌ ثاقب، يقول إسحاق بن راهويه، قال لي أحمد بن حنبل تعالى يا إسحاق أريك رجلا بمكة ما رأت عيناك مثله، قال: فأراني الشافعي، قال إسحاق: فناظرت الشافعي في الفقه فلم أر أفقه منه، فناظرته في اللغة فوجدته بيت اللغة، فناظرته في الحديث فلم أر أعلم منه، والله لقد صدق أحمد فلم تر عيناي مثله، هذا الشافعي فيأتيه سائلٌ في المجلس فيسأله، فيسكت الشافعي، فيقول السائل أجب، فيسكت الشافعي، فيقول السائل في الثالثة أجب، فيقول الشافعي: انتظر يا أخي حتى أعرف هذا الفضل في سكوتي أم في جوابي.
    هؤلاء هم العلماء، فمن أخطر مظاهر التعالم الجرأة على الفتوى، والعجب، والكبر، والغرور، واحتقار الناس، وازدراء الناس، وحفظ بعض المسائل للتأسد والتنمر بها على أقرانه في مجلس من مجالس العلم، يجلس في مجلس فيقول قاعدة من قواعد الأصول مثلا، يذكر قاعدة من القواعد، العمل بالظن لا يصح مادام العمل بالعلم ممكنًا، يعرف الشرط، نيته وهدفه أن يظهر للناس أنه على علم وأنه أعلم منهم .
    والنبي صلى الله عليه وسلم كما في مستدرك الحاكم وسنن البيهقي وابن ماجة وغيرها بسندٍ صحيح من حديث كعب بن مالك ( من تعلم العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار )، نعوذ بالله من الخذلان.

    رحى الأيام
    مشرف
    مشرف

    انثى
    عدد المساهمات : 39
    تاريخ التسجيل : 24/01/2010

    رد: الدرس الثاني من دروس سلسلة التوحيد

    مُساهمة  رحى الأيام في الخميس فبراير 25, 2010 12:56 pm

    فيجب علينا:أن نخلص النية، وأن نصحح الطوية، وأن نطهر السريرة، وأن نخلص لله، وأن نعلم أن الفضل بيد الله، وأن القلب كالريشة في مهب الريح، وما سُمي القلب قلبًا إلا لكثرة تقلبه، نسأل الله عزّ وجلّ أن يثبت قلوبنا على الحق وأن يرزقنا الإخلاص، إنه ولي ذلك ومولاه.
    ذكرتم يا شيخ تعريف الحكمة لابن القيم رحمه الله، فأين نجد ذلك؟
    تجد ذلك إن شاء الله تعالى في كتابه القيم الماتع مدارج السالكين، وأذكر مرةً أخرى بتعريفه إذ يقول الحكمة هي فعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي، وأركانها العلم والحلم والأناة، وآفاتها وأضدادها ومعاول هدمها الجهل والطيش والعجلة، فلا حكمة لطائش ولا لجاهل ولعجول.
    هل عدم العمل بالعلم يدعو لترك الدعوة ؟
    أحيانًا قد يتعلم المرء أمورًا قد تكون واجب أو منهيات أو سنن أو مكروهات، فلا يطبقها، فهل هذا يعني أنه لا يدعو إليها لكونه لا يطبقها
    هذا سؤال جميل وجيه، ليس معنى أن يضعف أحدنا لهيئته وطبيعته البشرية وأن يزل في معصية من المعاصي، وأن يقع في منكر من المنكرات، ليس معنى ذلك أن لا يحذر الناس من هذا بدعوى أنه يقع فيه، لا، لأنك بذلك تقع في معصيتين، أما المعصية الأولى وقوعك في هذا المنكر، والمعصية الثانية عدم تحذيرك للناس من الوقوع في هذا المنكر، أو عدم دعوتك للآخرين لاجتناب هذا المنكر، فأنت بذلك ارتكبت معصيتين، فالإنسان بشرٌ ضعيفٌ يزل في أي لحظة من اللحظات، ليس معنى ذلك إنه ضيع مثلا قيام الليل أن لا يذكر إخوانه بقيام الليل، ليس معنى ذلك أن لا يحذر من ترك الصلاة، أو أن يذكر إخوانه بالمحافظة على الصلاة في جماعة، وربما يقع في النظر إلى ما حرم الله، ليس معنى ذلك ألا يحذر إخوانه من هذه المعصية.
    فيجب على كل من زل في معصية أن يحذر منها، وأنا أرجو الله عزّ وجلّ أن دعوته لغيره بترك المعصية سببًا من أسباب تركه هو لهذه المعصية، فليس معنى أننا نقع في تقصير أن لا نحذر غيرنا من هذا التقصير، وإنما ادع غيرك وحذر، وسل الله تبارك وتعالى أن يرزقك الصدق وأن يعينك على ترك هذا المنكر الذي تحذر الناس منه وأنت واقع فيه، وببركة دعوتك للآخرين أرجو الله أن يبارك عليك وأن يخرجك من هذا المنكر، وأن يجنبك الوقوع، وأن يردك إلى الطاعة ردًا جميلا، إنه ولي ذلك ومولاه.
    كيف نعرف من يفتي بعلم من غيره الذي يفتي بغير علم ؟
    ما نصيحتك لعوام الناس الذين لا يملكون العلم الشرعي الكافي للتمييز بين الدعاة الذين يفتون بغير علم فيَضلون ويُضلون ويدعون لدين الله بالباطل، وبين العلماء الربانيين؟ بعبارة أخرى ما هي صفات الدعاة الذين علينا تلقي العلم منهم والاقتداء بهم؟ بارك الله فيكم وفي علمكم.
    والله هذا سؤال في غاية الوجاهة، وربما سألني بعض طلابنا في الحلقة الماضية هذا السؤال أيضًا، وأقول بأن الأمر يسيرٌ على طلاب العلم إن شاء الله تعالى، يعني طالب العلم يستطيع أن يميز بين العالم الرباني والداعية الصادق الذي يتلقى العلم على يديه من غيره، لماذا؟
    لأننا لا نتعبد الله تبارك وتعالى بتقديس العلماء أو بعبادة العلماء والشيوخ، أبدًا، وإنما منهجنا الذي ندين الله تعالى به ما أصله علي بن أبي طالب رضي الله عنه "اعرف الحق تعرف أهله، فإن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال هم الذين يُعرفون بالحق" .
    ومن بديع ما قاله الشاطبي رحمه الله تعالى في كتابه القيم الاعتصام، قال "ولقد زل أقوامٌ بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال، فخرجوا بسبب ذلك على جادة الصحابة والتابعين واتبعوا أهواءهم بغير علم فضلوا عن سواء السبيل".
    ومن بديع ونفيس ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى قال: "ليس لأحدٍ أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إليه ويوالي ويعادي عليه غير النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لأحدٍ أن ينصب للأمة كلامًا يدعو إليه ويوالي ويعادي عليه غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت إليه الأمة" .
    ومن أروع ما قاله أيضًا رحمه الله تعالى: "فمن تعصب لواحدٍ من الأئمة بعينه دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحدٍ من الصحابة بعينه دون الباقين"، كالرافضي الذي يتعصب لعلي، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي، وهذا طرق أهل البدع والأهواء، فنحن ندور مع الدليل حيث دار، وهذا واجبٌ على كل طالب علم يستطيع أن يعرف الأدلة وأن يفرق بين مراتب الأدلة ومناطات الأدلة.
    أما عامة المسلمين ممن لا يحسنون أن يعرفوا الأدلة أو أن يفرقوا أو أن يعرضوا هذا الكلام الذي يستمعون إليه على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    فأنا أقول في كلمات يسيرة أول أمر يجب على المسلم أن يتقي الله تبارك وتعالى وأن يبحث عمن يأخذ منه دينه، فالأمر دين، لا ينبغي للمسلم أن يأخذ دينه الذي يقبل به على ربه تبارك وتعالى من أي أحد، وأول أمر على المسلم أن ينظر إلى سمت العالم، إلى هديه، إلى دله، هل على سمت المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ هل هو على هدي رسول الله r؟ فكيف أبلغ عن رسول الله r وأنا بعيد عن هديه وسمته ودله.
    فأول أمر يستيطع الرجل العادي أن يفرق به أن ينظر إلى سمت العالم، ثم أود أن أقول ولله الحمد، وإن لم يحسن الرجل المسلم العادي أن يفرق بين الأدلة ومراتبها، أود أن أقول بفضل الله جلّ وعلا الحق أبلج والباطل لجلج، الحق يعلوه النور ويكسوه البهاء والجلال والكمال، والباطل يعلوه الظلام، لو سمع المسلم العادي العالم يقول قال الله جلّ وعلا قال الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي يؤخذه منه، لأن العلم قال الله قال رسوله، أما إن كانت الحلقة في فضائية من الفضائيات أو في مجلس من المجالس يُقضى الوقت كله في كلام مسرود مُطول لم يُنور بآية من كتاب الله، ولم يُدعم بحديثٍ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليحذر المسلم أن يتلقى كل هذا.
    ومن رحمة الله تبارك وتعالى أن أبقى الله في الأمة الربانيين والمخلصين ممن يبلغون عن الله ورسوله، وأختم بهذا الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث معاوية رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذله أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس )، وفي لفظٍ ( وهم كذلك ).
    وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء يونيو 20, 2018 8:43 am